ابن عجيبة

89

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ عند الموت أو البعث . و يَوْمَ : منصوب باذكر ، أو بما دل عليه : لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ؛ فإنه بمعنى : يمنعون البشرى ، أو : لا يبشر المجرمون . انظر البيضاوي . والجملة : استئناف مسوق لبيان ما يلقونه عند مشاهدتهم لما اقترحوه من نزول الملائكة ، بعد استعظامه وبيان كونه في غاية ما يكون من الشناعة . وإنما قيل : يوم يرون ، دون أن يقال : يوم تنزل ؛ إيذانا ، من أول الأمر ، بأن رؤيتهم لهم ليست على طريق الإجابة إلى ما اقترحوه ، بل على وجه آخر غير معهود . وتكرير ( يومئذ ) ؛ لتأكيد التهويل ، مع ما فيه من الإيذان بأن تقديم الظرف للاهتمام ، لا لقصر نفي البشرى على ذلك الوقت فقط ؛ فإن ذلك مخل بتفيظع حالهم . و ( للمجرمين ) : تعيين على أنه مظهر ، وضع موضع الضمير ؛ تسجيلا عليهم بالإجرام ، مع ما هم عليه من الكفر والطغيان . وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً على ما ذكر من الفعل المنفي ، أي : لا يبشرون ، ويقولون . وهو ينبئ عن كمال فظاعة ما يحيق بهم من الشر ، وغاية هول مطلعه ، أي : يقولون ، عند مشاهدة ملائكة العذاب : حجرا محجورا ، أي : منعا ممنوعا منكم ، وهي كلمة تقولها العرب عند لقاء عدو هائل ، أو هجوم نازلة هائلة ، يضعونها موضع الاستعاذة ، فكأن المعنى : نسأل اللّه تعالى أن يمنع ذلك عنّا منعا ، ويحجره عنا حجرا . والمعنى : أنهم يطلبون نزول الملائكة - عليهم السلام - ويقترحونه ، وهم إذا رأوهم كرهوا لقاءهم أشد كراهة ، وفزعوا منهم فزعا شديدا . وقالوا ، عند رؤيتهم ، ما كانوا يقولون عند نزول خطب شنيع وبأس فظيع . وقيل : هو قول الملائكة ، أي : تقول الملائكة للمجرمين ، حين يرونهم : حجرا محجورا ، أي : حراما محرما عليكم البشرى ، أي : جعل اللّه ذلك حراما عليكم ، إنما البشرى للمؤمنين . و ( الحجر ) : مصدر ، يفتح ويكسر ، وقرئ بهما . من حجره ؛ إذا منعه . وهو من المصادر المنصوبة بأفعال متروك إظهارها . ومحجورا : لتأكيد معنى الحجر ، كما قالوا : موت مائت . وانظر ما وجّه به وقف الهبطى على « حجرا » ؛ فلعله الأوجه له . ثم ذكر مآل أعمالهم ، فقال : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً الهباء : شبه غبار يرى في شعاع الشمس ، يطلع من كوّة . والقدوم هنا : مجاز . مثلت حال هؤلاء الكفرة وأعمالهم التي عملوها في كفرهم ؛ من صلة رحم ، وإغاثة ملهوف ، وقرى ضيف ، وعتق ، ونحو ذلك ، بحال من خالف سلطانه ، فقدم إلى أشيائه ، وقصد إلى ما تحت يديه ، فأفسدها ، ومزقها كل ممزق ، ولم يترك لها عينا ولا أثرا ، أي : عمدنا إليها وأبطلناها ، أي : أظهرنا بطلانها بالكلية ، من غير أن يكون هناك قدوم . والمنثور : المفرّق ، وهو استعارة عن جعله لا يقبل الاجتماع ولا يقع به الانتفاع .